محمد بن جرير الطبري
134
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
الله له ووفقنا بمنه وطوله . كما : حدثنا أبو هشام الرفاعي ، قال : ثنا أبو بكر بن عياش ، قال : ثنا الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " كل أهل النار يرى منزله من الجنة ، فيقولون لو هدانا الله ، فتكون عليهم حسرة . وكل أهل الجنة يرى منزله من النار ، فيقولون لولا أن هدانا الله . فهذا شكرهم " . حدثنا محمد بن المثنى ، قال : ثنا محمد بن جعفر ، قال : ثنا شعبة ، قال : سمعت أبا إسحاق يحدث عن عاصم بن ضمرة ، عن علي ، قال : ذكر عمر لشيء لا أحفظه ، ثم ذكر الجنة ، فقال : يدخلون فإذا شجرة يخرج من تحت ساقها عينان ، قال : فيغتسلون من إحداهما ، فتجري عليهم نضرة النعيم ، فلا تشعث أشعارهم ولا تغبر أبشارهم ، ويشربون من الأخرى ، فيخرج كل قذى وقذر ، أو شيء في بطونهم . قال : ثم يفتح لهم باب الجنة ، فيقال لهم : سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ قال : فتستقبلهم الولدان ، فيحفون بهم كما تحف الولدان بالحميم إذا جاء من غيبته . ثم يأتون فيبشرون أزواجهم ، فيسمونهم بأسمائهم وأسماء آبائهم ، فيقلن : أنت رأيته ؟ قال : فيستخفهن الفرح ، قال : فيجئن حتى يقفن على أسكفة الباب . قال : فيجيئون فيدخلون ، فإذا أس بيوتهم بجندل اللؤلؤ ، وإذا صروح صفر وخضر وحمر ومن كل لون ، وسرر مرفوعة ، وأكواب موضوعة ، ونمارق مصفوفة ، وزرابي مبثوثة ، فلولا أن الله قدرها لالتمعت أبصارهم مما يرون فيها . فيعانقون الأزواج ، ويقعدون على السرر ، ويقولون : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ الآية . القول في تأويل قوله تعالى : لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ . . . تَعْمَلُونَ يقول تعالى ذكره مخبرا عن هؤلاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات أنهم يقولون عند دخولهم الجنة ورؤيتهم كرامة الله التي أكرمهم بها ، وهو أن أعداء الله في النار : والله لقد جاءتنا في الدنيا وهؤلاء الذين في النار رسل ربنا بالحق من الأخبار ، عن وعد الله أهل طاعته والإيمان به وبرسله ووعيده أهل معاصيه والكفر به . وأما قوله : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فإن معناه : ونادى مناد هؤلاء الذين وصف الله صفتهم وأخبر عما أعد لهم من كرامته ، أن يا هؤلاء هذه تلكم الجنة التي كانت رسلي في الدنيا تخبركم عنها ، أورثكموها الله عن الذين كذبوا برسله ، لتصديقكم إياهم وطاعتكم ربكم . وذلك هو معنى قوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن المفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال : ليس من كافر ولا مؤمن إلا وله في الجنة والنار منزل . فإذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ودخلوا منازلهم ، رفعت الجنة لأهل النار فنظروا إلى منازلهم فيها ، فقيل لهم : هذه منازلكم لو عملتم بطاعة الله ، ثم يقال : يا أهل الجنة رثوهم بما كنتم تعملون فيقسم بين أهل الجنة منازلهم . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمر بن سعد أبو داود الحفري ، عن سعيد بن بكر ، عن سفيان الثوري ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ قال : نودوا أن صحوا فلا تسقموا واخلدوا فلا تموتوا وانعموا فلا تبأسوا حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن أبي إسحاق ، عن الأغر ، عن أبي سعيد : وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ الآية ، قال : ينادي مناد : إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا . واختلف أهل العربية في " أن " التي مع " تلكم " ، فقال بعض نحويي البصرة : هي " أن " الثقيلة خففت ، وأضمر فيها ، ولا يستقيم أن نجعلها الخفيفة لأن بعدها اسما ، والخفيفة لا تليها الأسماء ، وقد قال الشاعر : في فتية كسيوف الهند قد علموا * أن ها لك كل من يحفى وينتعل وقال آخر : أكاشره وأعلم أن كلانا * على ما ساء صاحبه حريص